عمر بن سهلان الساوي
52
البصائر النصيرية في علم المنطق
الفصل الأول في ماهية المنطق ووجه الحاجة إليه ومنفعته الانسان في مبدأ الفطرة خال عن تحقق الأشياء ، وقد اعطى آلات لا تعينه في ذلك وهي الحواس الظاهرة والباطنة . فإذا أحس بأمور جزئية تنبه لمشاركات بينها ومباينات ينتزع منها عقائد أولية صادقة لا يرتاب فيها عاقل ولا تزول بوجه ما مثل : ان الكل أعظم من الجزء ، وان الأشياء المساوية لشيء واحد بعينه متساوية ، وان الجسم الواحد لا يكون في مكانين في آن واحد ، وعقائد أخر مساوية لهذه في القوة كالحكم بأن كل موجود مشار إليه وإلى جهته ، وان الأجسام اما لا تتناهى أو تنتهى إلى فضاء ممدود لا يتناهى لكنها كاذبة يستبان « 1 » كذبها بشهادة القضايا الأول كما سنبينه من بعد . وقد يتردد في أمور بعد ادراك المحسّات وانتزاع القضايا منها وقد لا يجد إلى الحكم الجزم في بعضها سبيلا وقد يجزم في بعضها بتصرف في هذه القضايا وتوصل منها إليه . وهذا التصرف قد يكون تارة على وجه الصواب وتارة على وجه الخطأ ولا يشذ عن حكمنا هذا الا من ايّد بحدس صائب وقوة إلهية تريه الأشياء كما هي وتغنيه عن الفكر . فإذا انقسمت الاعتقادات الحاصلة للأكثر في مبدأ الامر إلى حق وباطل ، وتصرفاتهم فيها إلى صحيح وفاسد ، دعت الحاجة إلى اعداد قانون صناعي
--> ( 1 ) - « يستبان » مبنى للمجهول من استبان الشيء بمعنى أوضحه متعديا قال صاحب القاموس ( بنته بالكسر وبينته وتبينته وابنته واستبنته أوضحته وعرفته ) ، وكل هذه الأفعال تستعمل لازمة بمعنى وضح ومتعدية بمعنى أوضح .